سردية الحرب وآفاق السلام..تاج الدين بانقا “يكتب “سلسلة مقالات في تحليل المشهد السياسي واستشراف المستقبل” (1-7)
مدخل:
في أواخر عام 2018 اندلعت شرارة الثورة، واشتدت وتيرتها مع مطلع عام 2019، ثم خفّت حدّتها نسبيًا. وكان من أكثر ما ميّز تلك المرحلة العنف المفرط في التعامل مع أعداد محدودة من المتظاهرين، إلى درجة ملاحقة الفارين منهم داخل المنازل، وسقوط ضحايا من الشباب في مناطق مختلفة.
لاحقًا، حدث تطور لافت بالسماح للمتظاهرين بدخول ميدان القيادة العامة والاعتصام فيه، مع توفير الحماية لهم رغم محاولات الشرطة المتكررة لفض الاعتصام، وقبل أن يكتمل أسبوع واحد، أصدرت اللجنة الأمنية بيانها بعزل الرئيس عمر البشير ونظامه. في الوقت الذي كانت فيه غالبية عناصر اللجنة الأمنية محسوبين على التيار الإسلامي، ويُرجَّح أن ما جرى كان جزءًا من خطة تهدف إلى إيهام الإسلاميين بأن التغيير يجري تحت سيطرتهم، وفرصة لتجديد مشروعهم السياسي كما حدث بعد اتفاق نيفاشا عام 2005.
سمح ذلك الترتيب بدخول المتظاهرين إلى ميدان القيادة العامة، وحمايتهم من القوات التي حاولت فض الاعتصام، إلى أن تم الإعلان عن التغيير. ثم بدأ مسلسل إبعاد القيادات المحسوبة علي الأسلاميين ، بدءًا بعوض بن عوف وكمال عبد المعروف، وصلاح عبد الخالق وعمر زين العابدين وصلاح قوش وجلال الشيخ وغيرهم، إلى أن تشكّل المجلس العسكري الانتقالي بعناصر جديدة.
في تلك الأثناء، كان تحالف قوى الحرية والتغيير في حالة انسجام نسبي، رغم التنافس الداخلي حول من يتولى السلطة كاملة. وبسبب التعبئة الشعبية القوية ضد الحكم العسكري، واجهت قوى الحرية والتغيير صعوبة كبيرة في قبول شراكة واسعة مع العسكر. وبرز داخلها تيار سُمّي بـ«الهبوط الناعم»، مدعوم من حزب الأمة وقوى نداء السودان. في مقابل تيار التغيير الجذري الذي تبناه اليسار في تحالف قوى الإجماع الوطني ورغم التباينات، انتهى الأمر بقبول الشراكة وتوقيع الوثيقة الدستورية.
مرحلة ما بعد الاعتصام
بعد إقصاء الإسلاميين من اللجنة الأمنية، أصبح الاعتصام في نظر المخططين عبئًا، إذ كان قد أدى الغرض منه بسقوط النظام. فتمت عملية فض الاعتصام في واحدة من أكبر المجازر في تاريخ السودان، وهي جريمة ما زالت تفاصيلها غائبة حتى اليوم. وقد مهّد فض الاعتصام الطريق لإبرام الاتفاق بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، إذ لم يعد الشارع قادرًا على إفشال تلك الشراكة.
تشكلت حكومة الشراكة برئاسة عبد الله حمدوك، مع وجود مجلس سيادي يغلب عليه الطابع العسكري رغم الأغلبية العددية المدنية. وظلت السيطرة الفعلية بيد المكون العسكري. أما الثوار فرغم إبعادهم الظاهري، فقد احتفظوا ببعض النفوذ داخل لجان المقاومة، وبرز الاتجاه الانتقامي والعدائي للثورة في لجنة إزالة التمكين، التي استُخدمت لاحقًا في صراعات سياسية واسعة.
في المقابل، تصاعد نفوذ التيار اليساري داخل السلطة، ما أثار غضب قوى نداء السودان، مثل حزب الأمة والمؤتمر السوداني، التي شعرت بالتهميش. ثم جاءت اتفاقية جوبا، خارج حسابات المخططين الأصليين، فأدخلت الحركات المسلحة في السلطة على مختلف المستويات، وأُقرت شراكة ثلاثية بين المكون العسكري، والحركات المسلحة، وقوى الحرية والتغيير.
تفاقم الصراع الداخلي:
لم تكن هذه الشراكة متجانسة، إذ سعى كل طرف لتعظيم مكاسبه. وتمدد نفوذ الدعم السريع عسكريًا واقتصاديًا واجتماعياً وخارجيًا، وأصبح كيانًا شبه مستقل بقرارات تتعارض أحيانًا مع مؤسسات الدولة. وتجلت الصراعات في انقسام قوى الحرية والتغيير، وظهور ما سُمّي بالإعلان السياسي، ثم اعتصام القصر المدعوم من بعض أطراف السلطة.
في 25 أكتوبر 2021، أصدر رئيس مجلس السيادة قراراته بحل الحكومة واعتقال قياداتها، ثم أُفرج عنهم لاحقًا بموجب تسوية سياسية أخرجتهم فعليًا من المشهد. أصبحت السلطة بيد المكون العسكري، مدعومًا ببعض الحركات المسلحة.
من التسوية إلى الحرب
لجأت القوى المدنية المبعدة إلى الحاضنة الدولية، فبرز دور المبعوث الأممي فولكر، وجرى إحياء مشروع دستور انتقالي، ثم تطور إلى الاتفاق الإطاري. وكان لافتًا أن يوقّع عليه رئيس مجلس السيادة ونائبه، في مؤشر واضح على الانقسام داخل المؤسسة العسكرية، إذ لم يعد الجيش والدعم السريع كيانًا واحدًا.
تناول الاتفاق الإطاري مسألة دمج الدعم السريع في الجيش، لكن الرؤى كانت متباينة بشدة بين الأطراف، ولم تفلح الوساطات في ردم الهوة. وفي نهاية المطاف، اندلعت الحرب بتحركات عسكرية واسعة من الدعم السريع داخل الخرطوم ومحيط القيادة العامة، وامتدت إلى مناطق أخرى، في ظل مؤشرات على تخطيط مسبق ودعم إقليمي ودولي متوقّع.
غير أن إرادة الله أفشلت تلك الحسابات، إذ تصدت القوات المسلحة للمحاولة، وأفشلت المخطط، وتكامل دور سلاح الجو في شلّ قدرات المليشيا، ما أدى إلى انهيار خططها الأولى. ومع ذلك، لجأت المليشيا إلى انتهاكات واسعة بحق المدنيين، باقتحام المنازل والمستشفيات والمرافق العامة، في مشاهد همجية هزّت الوجدان الوطني.
الحراك الشعبي والمآلات:
أدى ذلك إلى تفجّر الإرادة الشعبية، وكان التيار الإسلامي في مقدمة القوى التي استجابت للاستنفار مستندًا إلى خبرته التنظيمية والعسكرية، فتكوّن حراك واسع ساند القوات المسلحة، وأسهم في استعادة السيطرة على مناطق عديدة.
ومع فشل المخطط العسكري، لم تتوقف محاولات فرض مشروع بديل عبر تسوية سياسية جديدة تقوم على إبعاد المؤسسة العسكرية وتسليم السلطة لمدنيين موالين للمشروع الخارجي، تحت شعارات التحول الديمقراطي. غير أن العقبة الأساسية أمام هذا المشروع ظلت القوى الإسلامية، ما دفع إلى استهدافها سياسيًا وقانونيًا، ومحاولة تصنيفها كقوى إرهاب، داخليًا وخارجيًا، لإقصائها نهائيًا من المشهد.
خاتمة:
وهكذا تستمر الصراعات، وتتبدل الأدوات، بينما يبقى السودان ساحة لتجاذبات داخلية وخارجية، لم يُحسم فيها بعد مسار الحرب ولا أفق السلام.
نواصل..
