آخر الأخبار
المقالات

إبراهيم شقلاوي يكتب: هل نحن مستعدون للدولة ؟

 

لقد اعتدنا في فضائنا العام أن نناقش أزماتنا السياسية من زاوية الحكومات: صلاحها وفسادها، قوتها وضعفها، نجاحها وإخفاقها. غير أن هذا النقاش، على أهميته، كثيرًا ما يغفل سؤالًا أكثر أهمية: ماذا عن المجتمع نفسه؟ هل تشكلت فيه الثقافة السياسية التي تجعل الدولة ممكنة ومستقرة؟ أم أننا ما زلنا نتعامل مع الدولة بوصفها غنيمة سياسية أو ساحة مفتوحة للصراع، لا إطارًا جامعًا ينظم الحياة العامة ويحميها من الفوضى؟

إن الدولة الحديثة لا تقوم فقط على وجود سلطة مركزية، بل على قبول المجتمع لفكرة القانون باعتباره مرجعية عليا، لا يُطاع لأنه صادر عن قوة، بل لأنه يمثل عقدًا أخلاقيًا بين المواطنين. في المجتمعات التي استقرت فيها فكرة الدولة أصبح احترام القانون سلوكًا يوميًا، حتى عندما يتعارض مع المصلحة المباشرة للفرد أو الجماعة. أما حين يُنظر إلى القانون باعتباره مجرد نص يمكن الالتفاف عليه أو تجاوزه عند أول فرصة، فإن الدولة تتحول تدريجيًا إلى كيان ضعيف، مهما امتلكت من أدوات السلطة.

ومن أخطر ما يواجه مشروع الدولة في مجتمعاتنا هو الخلط المستمر بين المجالين العام والخاص، بين الرأي الشخصي والموقف المؤسسي، وبين ما يصدر عن الأفراد وما ينبغي أن يصدر عن الدولة. فعندما تختلط هذه الحدود، يصبح الخطاب العام ساحة للتأويل والالتباس، وتتحول الدولة – في نظر الداخل والخارج – إلى كيان غير قادر على التعبير الواضح عن نفسه، أو على ضبط المسافة بين المؤسسات والأفراد.

الدولة في جوهرها، ليست فقط سيطرة على الأرض والحدود، بل سيطرة على النظام الداخلي الذي يحكم الخطاب والمؤسسات والسلوك العام.

فالسيادة تبدأ من الانضباط الداخلي قبل أن تظهر في السياسة الخارجية، وتبدأ من وضوح الأدوار بين الدولة والمجتمع قبل أن تتجلى في العلاقات الدولية. وحين تضطرب هذه الحدود، فإن صورة الدولة تصبح مشوشة.

فالدولة لا تُقاس بقدرتها على إصدار القرارات، بل بقدرتها على تنفيذها ومتابعتها وتحويلها إلى واقع ملموس. في هذا السياق، جاء خبر اجتماع مجلس الوزراء الثاني للعام 2026 برئاسة رئيس مجلس الوزراء د. كامل إدريس، حيث أعلن المجلس انتقال كافة الوزارات إلى العاصمة الخرطوم، وناقش قضايا تتعلق بإعادة تنظيم الخدمة المدنية، وفتح فرص التوظيف للشباب وفق معايير العدالة والكفاءة، إلى جانب التوجه نحو التحول الرقمي لمؤسسات الدولة، واستكمال الأجهزة القانونية وعلى رأسها المحكمة الدستورية، فضلًا عن معالجة قضايا الخدمات في العاصمة الخرطوم .

فالدولة الحقيقية لا تولد في لحظة إصدار القرار، بل في اليوم التالي له، في المتابعة اليومية لتنفيذه، وفي وجود مؤسسات قادرة على قياس التقدم، ومساءلة المقصرين، ووضع سقوف زمنية واضحة لإنجاز العمل. هنا فقط تتحول السياسة من خطاب إلى إدارة، ومن إعلان نوايا إلى برنامج عمل.

إن إحدى أزمات الحكم في كثير من بلداننا ليست في غياب القرارات، بل في غياب ثقافة المتابعة. تُعلن المبادرات، وتُعقد الاجتماعات، وتُصدر التوجيهات، لكن الزمن يمضي دون أن تتحول هذه القرارات إلى واقع ملموس يشعر به الناس في حياتهم اليومية. وفي غياب المراجعة الدورية ، تتحول الدولة إلى ماكينة لإنتاج القرارات وليس جهازًا لتنفيذها.

لهذا فإن التحدي الحقيقي أمام أي مشروع لإعادة بناء الدولة لا يكمن فقط في صياغة السياسات، بل في بناء ما يمكن تسميته بدولة المتابعة ، دولة تقيس أداءها باستمرار، وتربط كل قرار بخطة تنفيذ واضحة، وبجدول زمني محدد، وبمسؤولية مؤسسية لا تقبل التهرب أو التأجيل.

وحين تتجذر هذه الثقافة، يتغير معنى الدولة في الوعي العام. لم تعد مجرد سلطة بعيدة تصدر التوجيهات من مكاتبها، بل جهازًا حيًا يتحرك، ثم يراقب التنفيذ، ويحاسب المقصرين. وهنا فقط تبدأ المؤسسات في استعادة ثقة المجتمع، لأن الناس لا يحكمون على الدولة بما تقوله، بل بما تنجزه.

غير أن هذه الخطوات جميعها تظل قاصرة ما لم تسندها ثقافة سياسية راسخة في وعي المجتمع. فالدولة الحديثة لا تنهض بالقوانين والمؤسسات وحدها، بل بقدرة المجتمع على العيش داخلها، وبقبول الخلاف السياسي والآراء المتباينة بوصفها طاقة دفع، وبالالتزام الصارم بحكم القانون.

وهنا تظهر مفارقة لافتة في سلوكنا السياسي، فكثيرون يطالبون بالديمقراطية لكنهم لا يقبلون نتائجها عندما لا تأتي وفق توقعاتهم، ويطالبون بدولة القانون لكنهم يسعون في الوقت نفسه إلى استثناءات تخدم مصالحهم. يرفضون السلطة عندما تكون في يد خصومهم، ثم يدافعون عنها عندما تنتقل إلى حلفائهم. وفي ظل هذه التناقضات، يصبح الحديث عن الدولة أقرب إلى شعار سياسي منه إلى مشروع وطني.

لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس فقط: من يحكم؟ بل: هل نحن مستعدون حقًا لدولةٍ لا تكتفي بإصدار القرارات، بل تلتزم بمتابعتها حتى تتحول إلى واقع؟ دولةٍ تعرف أن الزمن جزء من السياسة، وأن لكل مشروع أجلًا للتنفيذ، وأن نجاح الدولة يقاس بما يتحقق على الأرض.

بحسب #وجه_الحقيقة ذلك هو السؤال الذي يقف خلف كثير من أزماتنا السياسية. سؤال لا يوجه اتهامًا لأحد، لكنه يضع المجتمع كله أمام مرآة واضحة. فالدولة ليست شعارًا يُرفع ، بل ثقافة يومية تقوم على الانضباط والمسؤولية واحترام القانون، وعلى إرادة صلبة في تحويل القرارات إلى أفعال. وعندما يترسخ هذا المعنى، تبدأ ملامح الدولة الجديدة في التشكل، دولة لا تكتفي بالوعود، بل تصنع واقعها بالعمل والمتابعة والمواقيت.
دمتم بخير وعافية.
السبت 7 مارس 2026 م Shglawi55@gmail.com

قناة واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى