■ تَمضي الإدارة الأمريكية في غيها المعهود، ممارسةً هواية “صناعة الأعداء” وتوزيع صكوك الإرهاب وفق مقاسات سياسية لا تخضع لمنطق الأرض، بقدر ما تذعن لإملاءات الغرف المغلقة؛ فالتصنيف الأخير الذي استهدف المقاومة الشعبية في السودان يمثل “سقوطاً مدوياً” في فخ الازدواجية، وتجسيداً لسياسة العمى الاستراتيجي التي تنتهجها واشنطن، وهي خطيئة تتجاوز الجهل لتصل إلى ضفاف التواطؤ المكشوف مع الجلاد ضد الضحية، متوهمةً أن إرادة الشعوب تُصادر ببيانات صحفية عابرة للقارات.
■ هذا التوصيف المعيب يضعنا أمام “متاهة المصطلحات” في القاموس الأمريكي المترع بالتناقض؛ فمنذ عام 1980م حين عرفت وكالة الاستخبارات المركزية الإرهاب بكونه تهديداً ناشئاً عن عنف الأفراد، وصولاً إلى تعريف مكتب التحقيقات الفيدرالي عام 1983م، وانتهاءً بتعريف وزارة الدفاع عام 1986م المسكون بالهواجس السياسية، نجد أن هذه التعريفات باتت “مقاصل إعلامية” تُشهر اليوم في وجه كل من يذود عن كرامة الدولة السودانية ويرفض مشاريع التفتيت والارتهان.
■ وبناءً على هذه التناقضات الصارخة، يبرز توقيت القرار كـ “مناورة مفضوحة” وقرابين دبلوماسية قُدمت على مذبح المصالح الإقليمية لغسل جرائم المليشيا؛ فبينما كانت دماء الأبرياء تجف في أزقة المدن المنكوبة، كانت واشنطن تشنف آذانها لثرثرات سماسرة العلاقات العامة.
▪️ هذا التوقيت يكشف عن محاولة بائسة لخلط الأوراق وصرف الأنظار عن “محرقة الجنجويد”، وتوفير طوق نجاة سياسي لقوى (صمود) التي لفظها الوجدان الشعبي في غيابات النسيان والخذلان.
■ إن التجاهل الأمريكي المريب لإرهاب مليشيا الدعم السريع، الممهور بدماء المدنيين في الجنينة والفاشر وود النورة، يضع “المصداقية الدولية” في قفص الاتهام؛ فكيف تغمض واشنطن عينيها عن فظائع المرتزقة وتصوب فوهات بياناتها نحو “المقاومة الشعبية”؟
▪️ هذا السلوك يعيد للأذهان إرثاً طويلاً من الخيبات الأمريكية في قراءة وجدان المنطقة، ويؤكد أن هذه القوائم السوداء ليست سوى “بضاعة كاسدة” تُسوق في بورصة النفوذ لابتزاز الدول والشعوب.
■ ويمتد هذا التخبط المعلوماتي ليصل إلى “قراءة مشوهة” لتاريخ السودان السياسي، حيث يستدعي القرار شبح “الإخوان المسلمين” بذهنية عتيقة لم تغادر محطة الستينيات؛ فواشنطن لا تدرك أن الحركة الإسلامية السودانية قد انصهرت في تحولات كبرى منذ عام 1964م حين شق الترابي عصا التبعية للخارج، مروراً بتأسيس “الجبهة الإسلامية” عام 1985م التي استوعبت طيفاً عريضاً، مما يجعل هذا التصنيف الحالي مجرد “مطاردة للأشباح” وتجارة في أوهام سياسية لا رصيد لها على أرض الواقع.
■ وبسبب هذا العقم المعرفي، تخلط واشنطن بين “المؤتمر الوطني” الذي ضم تحت لوائه كافة ألوان الطيف الاجتماعي، وبين تنظيمات مجهرية لا وجود لها، متجاهلةً أن التجربة السودانية قد حطمت قوالب “المسميات الجاهزة” منذ عقود.
▪️ والإصرار على استنساخ أحقاد “أبواق التمرد” وصبها في قرارات رسمية يعكس هشاشة الموقف الأمريكي، ويؤكد أن القرار طُبخ في مطابخ مسمومة تسعى لشيطنة كل من حمل السلاح دفاعاً عن سيادة وطنه وكرامة أهله ضد الغزو المأجور.
■ ومن هذا المنطلق، يبرز لواء “البراء بن مالك” كأيقونة وطنية نبتت من قلب الفجيعة لمساندة الجيش، وليس ككيان هلامي كما يحاول “الماكينة الإعلامية” الأمريكية تصويره. فكل سوداني هُتك عرضه أو نُهبت داره منذ صرخة الحرب الأولى في 15 أبريل 2023م قد تحول غضبه إلى “مقاومة شرعية”، وهذا الوعي الفطري أقوى من كل المؤامرات الورقية.
▪️ شيطنة هؤلاء الشباب هي في الحقيقة رصاصة غدر موجهة لصدور الأحرار الذين أبوا الانصياع لمليشيا الارتزاق والنهب.
■ إن محاولات قوى (صمود) للاحتفاء بهذا التصنيف المشبوه تمثل ذروة “الإفلاس السياسي”، فهذه الكيانات التي رسبت في اختبار الانتماء تتوهم أن صكوك واشنطن ستعيد النبض لعظامها الرميم. هؤلاء الذين يقتاتون على فتات الموائد الخارجية لا يفهمون أن شرعية الحكم تُنتزع من خنادق الصمود لا من ردهات الفنادق المرفهة.
▪️ الاحتماء بـ “العصا الأمريكية” ضد إرادة الشعب السوداني هو رهان انتحاري، سيلقيه التاريخ في سلة المهملات كما فعل مع أسلافهم من قبل.
■ والمفارقة المدوية تكمن في أن أمريكا، التي تجر أذيال الخيبة في ملفات دولية شتى، تحاول استعراض عضلاتها الدبلوماسية فوق جراح السودان بقرارات “معلبة”. إنها تحاول تسويق انتصارات وهمية بينما تغض الطرف عن “جسور الإمداد” التي تضخ السلاح لمليشيا آل دقلو حتى هذه اللحظة.
▪️هذا السقوط الأخلاقي يجعل واشنطن شريكاً في المأساة، ويحولها من حكم دولي مفترض إلى “لاعب منحاز” في فريق الخراب الذي يستهدف تمزيق النسيج السوداني.
■ إن الدولة السودانية التي صمدت في وجه حصار كالح منذ عام 1993م، لن تهز أركانها “بروباغندا” التصنيفات العابرة التي تفتقر لأدنى حيثيات المنطق؛ فالشعب الذي اجترح المعجزات يمتلك مناعة سياسية تفوق مخيلة وكالات الاستخبارات.
▪️ الارتهان لتقارير “سماسرة العلاقات العامة” هو الذي يورد واشنطن دائماً موارد الهلاك في ملفات المنطقة، والسودان اليوم لن يكون الجسد الذي تُجرى عليه تجارب الفشل الأمريكي المتكررة والمكلفة.
■ وبناءً على ذلك، تظل المقاومة الشعبية والبراؤون هم “العمق الاستراتيجي” للدولة في وجه مشروع التفتيت الذي تقوده مليشيا الارتزاق. إن تجاهل هذه الحقيقة الوجودية هو مقامرة بمستقبل المنطقة بأسرها،
▪️ فالدفاع عن الأرض هو صلاة وطنية لا تحتاج لإذن من الخارجية الأمريكية. إن من يقبضون على جمر القضية في الميدان لا يعنيهم عويل البيانات، لأنهم يكتبون تاريخهم بمداد التضحية لا بحبر المكاتب المكيفة والمنفصلة عن الواقع الميداني.
■ وبمرور الوقت، سينكشف القناع عن هذه التصنيفات لتظهر بوصفها محاولة يائسة لشرعنة “القتلة” ومنحهم مقعداً في مستقبل السودان بعد تحطم طموحاتهم العسكرية؛.
▪️فواشنطن تعزف على وتر “فوبيا الإسلاميين” لتخويف العالم من هبة الشعب، متناسية أن المعركة هي صراع بين “مؤسسات الدولة” و”جمهورية الفوضى”. وهذا التدليس المتعمد يخدم فقط أباطرة الحرب وداعميهم الإقليميين الذين يبذلون الغالي والنفيس لتدمير ما تبقى من كبرياء السودان.
■ إن السودانيين اليوم، من بورتسودان إلى أطراف كردفان، يدركون أن السيادة الوطنية هي “الخط الأحمر” الذي دونه المهج والأرواح.
▪️إنهم يرفضون وصاية “المعلم الأمريكي” الذي يوزع ألقاب الإرهاب وفق مقاسات مصالحه، خاصة وأن تلك المعايير قد سقطت في اختبارات حقوق الإنسان العالمية. الرهان اليوم هو على “الملحمة الشعبية” التي لن تسمح ببيع الوطن في مزادات النخاسة الدولية، ولن تخضع لابتزاز القوائم والقرارات السياسية الجائرة.
■ سيبقى الموقف الوطني شامخاً يرى في المقاومة الشعبية “روح الأمة” التي تأبى الانكسار، ويرى في القرارات الأمريكية مجرد فقاعات إعلامية ستنفجر على صخرة الحقائق الصلبة.
▪️ إن محاولات عزل الأبطال عن حاضنتهم الشعبية عبر “وصمة الإرهاب” هي حرب نفسية فاشلة ستزيد من وقود الثورة ضد التمرد. العدالة الناجزة هي التي تقتص للضحايا من القتلة المأجورين، وليست التي تطارد الشرفاء بمداد الزيف والتحيز والمحاباة السياسية.
■ عموما، يشق السودان عباب العواصف نحو فجر الخلاص، متسلحاً بعزيمة لا تلين، غير آبهٍ بصراخ الدبلوماسية الأمريكية المرتجفة خلف الأبواب المغلقة. المعركة هي معركة “كرامة وطنية”، والنصر محتوم لمن استمسك بتراب وطنه ولقّن الغزاة دروساً في الصمود. سيبقى السودان وطناً عصياً على التدجين، وستظل المقاومة الشعبية وساماً على صدر التاريخ، بينما تذهب التصنيفات الجائرة جفاءً مع ريح النسيان أمام جبل الكبرياء السوداني العظيم
