بقلم: د. طاهر موسى الحسن…من الأسطورة إلى التوسع: كيف تحوّلت النبوءات إلى مشروع إسرائيل الكبرى.
يعد كتاب موسى والتوحيد لعالم التحليل النفسي اليهودي سغمود فرويد من اكثر اعماله اثارة للجدل حيث يشكّل مدخلًا صادمًا لفهم العلاقة المعقّدة بين الدين، والذاكرة، والسياسة. فقد سعى فرويد إلى تفكيك البنية النفسية التي تقوم عليها السردية الدينية اليهودية ، معتبرًا أن ما يُروى ليس مجرد تاريخ، بل بناءٌ رمزي يعكس احتياجات نفسية عميقة لجماعة تبحث عن التماسك والشرعية والتميّز.
وفي قلب هذا الطرح، تتجلى الفكرة التي تلخص جوهر التحليل:
فرويد يرى أن مشكلة هذا الشعب الأزلية هي إحساسه الدائم بالظلم والتهميش وبأنه لم يأخذ فرصته وأن آخرين أخذوا مكانه وفي سبيل ذلك فإن مفكريه يخترعون النظريات وحتى الدين لإثبات هذه المظلومية. يستمر الابتزاز حتى بعد أن يتحول هذا الشعب من مظلوم إلى ظالم يستولي على أراضي الآخرين، فهو يظل يطلب المزيد ويظل لا يجد بأساً في ظلم الآخرين والتعدي على حقوقهم مع إدعاء المسكنة والحديث بتكرار ممل عن تهميش تاريخي. كلما يتعرض سلوك هذا الشعب للنقد يستعيد أسطوانته القديمة: أنكم ظلمتمونا ظلماً تاريخياً وهمشتمونا عبر القرون.
هذه الرؤية لا تقف عند حدود التحليل النفسي، بل تمتد لتفسّر كيف تتحول الأسطورة الدينية إلى مشروع سياسي ( فكتاب فرويد يتعامل مع قصة النبي موسى نفسها كأسطورةتم خلقها من قبل الشعب) فالإيمان العميق بالسرديات التأسيسية بما تحمله من وعود ونبوات لا يبقى في إطار العقيدة، بل يُعاد توظيفه ليصبح دافعًا عمليًا لإعادة تشكيل الواقع.
هنا يبرز الترابط الحاسم بين التحليل الفرويدي وبين فكرة الحلم التاريخي الذي يتجاوز حدود الدولة إلى تصور أوسع لما يُعرف بـ دولة اسرائيل الكبرى هذا التصور، في جوهره، ليس مجرد طموح جغرافي، بل امتداد مباشر لإيمان متجذر بأن هناك حقًا تاريخيًا ووعدًا مقدسًا يجب تحقيقه، مهما كانت الكلفة.
وفق هذا المنطق، تتحول النبوات إلى برنامج عمل، وتصبح الأسطورة أداة تعبئة، ويُعاد إنتاج الوعي الجمعي على أساس أن التوسع ليس خيارًا، بل “استحقاقًا. وهنا تتكامل العناصر الثلاثة:
* الأسطورة التي تمنح الشرعية
* المظلومية التي توفر الغطاء الأخلاقي
* القوة التي تنفذ المشروع على الأرض
هذا التلاقي بين العقائدي والسياسي هو ما يجعل الصراع أكثر تعقيدًا، إذ لا يعود نزاعًا على حدود أو مصالح فقط، بل يتحول إلى صراع على رؤية وجودية ترى في التوسع تحقيقًا لوعد، وفي السيطرة استعادةً لحقٍ مُغتصب.
ما نشهده اليوم في المنطقة من حروب وصراعات يعكس هذا النمط بوضوح؛ حيث يتم استدعاء التاريخ بصورة انتقائية لتبرير الحاضر، ويُعاد إنتاج خطاب الضحية حتى في لحظات القوة والتفوق. هذه الازدواجية الجمع بين القوة العسكرية وخطاب المظلومية ليست صدفة، بل هي امتداد مباشر لما وصفه فرويد من بنية نفسية قائمة على استدامة الشعور بالاضطهاد، حتى عند ممارسة الهيمنة.
إن أخطر ما في هذا النمط هو قدرته على تعطيل أي مساءلة، إذ يتحول النقد إلى اعتداء وتصبح المطالبة بالحقوق إنكارًا للتاريخ ويُعاد تدوير نفس السردية في كل مرة تتعرض فيها الممارسات السياسية للرفض أو الإدانة.
وعليه، فإن قراءة فرويد لا تقف عند حدود التحليل النفسي، بل تتجاوز ذلك لتكشف عن آلية اشتغال كاملة:
مظلومية تُصنع، تُعاد إنتاجها، ثم تُستخدم كغطاء دائم لأي فعل، مهما كان حجمه أو تأثيره.
الخلاصة أن موسى والتوحيد ليس مجرد كتاب في التحليل النفسي، بل هو نص كاشف لبنية ذهنية تستمر في التأثير حتى اليوم. وما يجري في واقع الصراع الإقليمي ليس إلا امتدادًا حيًا لهذا النموذج، حيث تتحول الذاكرة إلى سلاح، والمظلومية إلى استراتيجية، والتاريخ إلى مبرر مفتوح لا ينتهي.
