آخر الأخبار
المقالات

​رمضان محجوب يكتب:​أنواء الروح: شهادة قلم عاصر الانكسار..ضفاف الحياة

 

الحلقة الحادية والعشرون:

​■ حين لامست أقدامنا الضفة الغربية لـ “جبل أولياء”، شعرت بانشراحٍ في صدري لم أعرفه منذ وقت طويل؛ فمثل ذاك الوصول يمنح “روقة” بالٍ غابت عني منذ أن أوقدت الحرب نيرانها في القلوب…. فالانتقال من جحيم الفوضى والمليشيا إلى رحاب الدولة والجيش لم يكن مجرد عبور جغرافي، بل كان استرداداً لروحٍ أهلكها “الغل” والعبث؛ فخلفنا كانت الفوضى تتسيّد المشهد، وهنا بدأت هيبة القانون تلوح في تفاصيل التعامل، لتعيد للنفس توازنها الذي سُلبت منه طويلاً.

​■ الفارق بين العالمين لا يقاس بمقياس؛ فخلفنا تركنا مرارات الإذلال والنهب، وأمامنا انفتحت دروب تضبطها حقوق واضحة للعيان…. لذا، كان الأمر باختصار خروجاً من أنياب الموت “المجاني” إلى فضاءات الطمأنينة، حيث لا يخشى العابر إلا ربه. إنها لحظة استرداد لكرامة حاول الأوباش تمريغها في تراب “الجهل” والظلم الممنهج، وكأننا في تلك اللحظة نُزعنا من كوابيس “التشفّي” والغدر لنبدأ من جديد.

​■ ضجت المنطقة الغربية للجبل بحركة تبعث على التفاؤل؛ فالبضائع “الحلال” رُصّت بعناية على جنبات الطريق، في مشهد يفيض بـ “البركة” التي لم تلوثها أموال المنهوبات، والوجوه غادية ورائحة في هدوء وثبات، مما يؤكد أن هذه الأرض طاهرة لم تدنسها أقدام الخراب… كانت حركة البيع والشراء تسير بـ “مهلة” ويقين يبعث الأمل في النفوس، وكأن الأرض تخبرنا بصمت أن “الرزق الحلال” هو ما يبقى حين يزول زبد الباطل مهما طال أمده.

​■ رغم البؤس الظاهر وفقر الحال المادي لأهل تلك القرى المكافحة، إلا أن بشاشة الوجوه كانت هي “الرصيد” الحقيقي والترحيب الصادق بنا. فقد استقبلنا الأهالي بدعوات نابعة من القلوب، حامدين الله الذي نجّى أبداننا من القوم الظالمين… كانت كلماتهم بمثابة “الزاد” لوجوهنا التي رسمت عليها أيام الحصار خيوطاً من التعب والذبول. رأيت في عيونهم تلك “الحنيّة” الفطرية التي افتقدناها في أزقة الخرطوم المستباحة، فكانت أحاديثهم هي المواساة الأبلغ لجراحنا النازفة.

​■ مضت بنا الحافلة عبر قرى “القليعة” والشيخ الصديق، ثم “الكرو” الهادئة التي تمنح العابر إحساساً فطرياً بالأمان، وصولاً إلى قرية “الريان” التي تتكئ على “قفا” القطينة الغربية… هناك، حاولت الحافلة أن تلتقط أنفاسها المنهكة قبل أن تلتقطها نفوسنا المكدودة من عناء الطريق الملتوي؛ فكانت وقفة ضرورية لاستعادة “الحيل” المهدود. وبينما كنت أراقب الركاب، رأيت امرأة مسنة تمسح وجهها بوقار وهي تهمس لجليسها: “الحمد لله يا ولدي.. قطعنا بر السلاح”…. انطلقت الحافلة تنهب الطريق بصورة حثيثة عبر قرى الرميح والعباسية، ثم الدبيبة والهشابة والمعيلق، والكل في داخلها يترقب نسمة الدويم التي بدأت تلوح في الأفق.

▪️ وما هي إلا ساعات حتى فاحت الروائح التي ترد الروح وتنعش الوجدان، حيث اختلط عبير النيل برائحة “الفسيخ” والجبنة الفواحة من قرية “قلي”؛ كانت تلك الروائح هي “اليقين الكامل” بالوصول إلى مرافئ النور بعد ظلمات القهر…. عشر ساعات كاملة قضتها حافلة “الحياة” لتقطع الطريق من ضفة الموت في “قندهار” إلى ضفاف النيل الأبيض الصامدة، وصولاً إلى الدويم عند الخامسة مساءً.

▪️ يعجز اللسان عن وصف اللحظة التي لمحت فيها عسكرياً يمثل هيبة البلد، وهو يحتضن سلاحه فوق عربته القتالية في أول ارتكاز؛ كان منظره يختصر معنى استعادة الوطن، وكأن تلك البزة العسكرية هي الدرع الذي يحمي ما تبقى من أحلامنا…. مشاعر عديدة انتابتني وزلزلت كياني؛ وددت لو نزلت من الحافلة لأسجد شكراً لله الذي كتب لنا عمراً جديداً، وأبعد عنا أذى المليشيا التي لا ترحم بشراً ولا حجراً…. نظرت إلى ذاك الجندي الذي صار في نظري يمثل الحائط الذي نستند إليه في مهب الريح، وبينما كنت أغالب تأثري، لمحت في عينه نظرةً حازمةً لكنها مطمئنة، وكأنه يقول لنا بصمت: “ادخلوها بسلامٍ آمنين”.

​■ تدافع الحافلات حال دون وقوفنا، فحبستُ غصةً في حلقي، بينما كانت عيناي ترقبان بصمت أطلال الوجع وشوقاً لبلد حاول الأوباش انتزاعه من وجداننا… كانت اللحظة تعبر عما يعجز عنه البيان، وعن الفرحة التي خالطت الروح برؤية حماة الديار؛ فنظرت إلى نجلي الأكبر بجانبي، فوجدته هو الآخر يرقب المشهد بصمتٍ مهيب، وكأنما يسترد هدوءه الذي سلبته أصوات المدافع.

​■ عند دخولنا إلى قلب المدينة العريقة، اندهش الجميع لمشهد “التكايا” التي نصبها أهالي الدويم، في ملحمة جود سودانية أصيلة. رأيت الرجال والشباب يتسابقون بلهفة لإطعام الذين أُخرجوا من ديارهم، يمدون أيديهم بالطعام والماء في إيثار منقطع النظير. هذا المشهد جعل النفوس ترتاح، وتدرك يقيناً أن قيم هذا الشعب هي الرهان الخاسر لكل من أراد طمس هويته.

​■ كرم كبير واجهنا به أهل الدويم، حيث حاولوا إيقاف الحافلة بإصرار لإجبارنا على الضيافة، ولم يثنِ السائق عن المضي إلا ضيق الوقت. ورغم الرغبة في بلوغ مدينة مدني قبل حلول الليل، إلا أننا لم نجد بدّاً من شرب ماء النيل الذي قُدّم لنا بكل محبة؛ جرعة واحدة منها كانت كفيلة بإطفاء ظمأ استعر في الصدور لشهور، فكانت أبرد على القلب من كل شراب.

​■ عبرنا الدويم بعد المرور بأكثر من خمسة ارتكازات، لكنها كانت تختلف تماماً عن نقاط “الجنجويد” المرعبة؛ كانت هذه الارتكازات بمثابة اليد الرسمية التي تضمد أوجاعنا، وتُشعرنا أننا في كنف دولة تحمي كرامتنا… رأيت أحد الجنود يربت على كتف شابٍ صغير في الحافلة بابتسامة واثقة، فمسحت تلك اللفتة جبالاً من التوتر والخوف سكنت دواخلنا طويلاً.

​■ العساكر في تلك النقاط كانوا يوزعون الكلمة الطيبة والابتسامة الصافية كجزء من إجراءاتهم، مما أزال غبار القلق الذي ترسب في صدورنا… لم تكن مجرد نقاط تفتيش، بل كانت محطات لاستعادة الثقة بالنفس، حيث يحس المرء بصدق أنه عاد إلى كنف الوطن. كانت “السلام عليكم” التي يبادروننا بها تعيد لنا الإحساس بالمواطنة، وتنهي عصر المطاردة في غابة الفوضى.

​■ تحركنا من الدويم نحو المناقل والشمس تميل نحو المغيب وتؤذن برحيل يوم حافل بالتناقضات، تاركة وراءها بصيصاً من “العشم” يضيء لنا عتمة الطريق… لم يؤخر انطلاقنا غير التفتيش الدقيق من جانب الاستخبارات العسكرية، وهي إجراءات أمنية رغم بطئها إلا أنها كانت مبعثاً للطمأنينة. كنا نصبر برضا، فالتدقيق هنا يعني أن هناك من يسهر فعلياً على الأمن، بعيداً عن العبث الذي تركناه خلفنا.

​■ أحاسيسنا في هذا الانتظار اختلفت تماماً عن تلك الرهبة التي كانت تتملكنا سابقاً. هنا نعلم أن القانون هو المرجعية، وأن هذا التعب يهون في سبيل أن تستعيد الأرض طهرها… نظرت من النافذة فرأيت الغروب يصبّ ذهبه على النيل، وشعرت لأول مرة بسكينة اليقين بأن الحق لا بد أن يعود لأصحابه.

​■ الحافلة كانت تشق طريقها في هدوء حذر، والركاب يتبادلون حكاوي النجاة بأعجوبة، وكل منهم يحكي كيف عبر بحر الأهوال. كان الجميع يتنفس الصعداء، ويمسح بيده على وجهه المتعب وكأنه يستكشف ملامحه التي كادت تضيع في غياهب الحرب… في تلك اللحظة، لم نكن مجرد ركاب، بل كنا ناجين يجمعنا مصير واحد وحلم مشترك بالاستقرار في وطنٍ طال غيابنا عنه.

​■ طوينا صفحات الألم ونحن ننظر للأمام بقلوب مؤمنة، حيث “الدويم” تودعنا بنسيمها، والمناقل تفتح ذراعيها بفيض شهامتها. فالرحلة كانت في جوهرها استرداداً للهوية السودانية التي حاولوا طمسها، ورحلة للبحث عن السودان الذي يسكن في مآقي البسطاء؛ السودان الذي رأيناه في كسرة خبز قُدمت بحب، وفي ثبات جنديٍّ لم تهزه الأنواء.

​■ المشاهد التي مرت بنا تؤكد أن إرادة الحياة أقوى من مدافع الموت، وأن هذا الشعب يمتلك مخزوناً من القيم لا ينضب أبداً. ففي كل قرية نجد السند، وكأن الجميع قد تعاهدوا على مداواة جراح القادمين من العاصمة، لتتحول الرحلة من نزوح مرير إلى ملحمة اكتشاف لمعدن الناس الذين يظهر صفاؤهم في ساعات الشدة والضيق.

​■ أخيراً، وبعد ساعات من الترقب، صدر الإذن بالتحرك نحو المناقل بعد طول تدقيق، فارتفعت الأصوات بالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات….انطلقت الحافلة تطوي المسافات طيّاً، ومع كل دورة لعجلاتها، شعرت أن روحنا المنهكة قد آبت أخيراً من اغترابها.. لترسم في أفق المناقل ملامح الوطن الذي نستحق.

​نواصل

قناة واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى