رمضان محجوب يكتب: أنواء الروح: شهادة قلم عاصر الانكسار… (الحلقة الرابعة عشرة)
“خزنة خالية”…!!
■ كنت أسير في ذيل تلك القافلة المهينة صوب المعتقل، أراقب ظهر “محمد” و”علي” وأدعو الله بقلبٍ وجل أن يلطف بشيبتنا ويمد في حبال الصبر التي بدأت تتآكل تحت وطأة (الإذلال والتنكيل)، وبينما كنا نعبر الميدان الذي شهد يوماً ركض الصغار، توقفت الدراجة النارية الخلفية بصرير معدني مزعج اخترق سكون الفجيعة.
■ ترجل المليشي بغضبٍ أعمى يتمتم بشتائم تخدش حياء السماء، ورأيته في لمحة بصر يتخذ وضعية القناص المحترف، مثبتاً عقب بندقيته في كتفه بتركيز مميت نحو هدف بعيد، كانت عيناه تلمعان ببريق (الشر المحدق) وهو يضبط أنفاسه ليرتكب جريمة جديدة في حق عزل لا يملكون سوى إيمانهم بسلامة قضيتهم.
■ التفتُّ بقلبٍ يكاد يقفز من بين أضلعي ليرى ما الذي استنفر وحشية هذا المسلح، فإذا بالفاجعة تتجسد أمام ناظريّ؛ إنه “عبد الخالق”، ابني الشاب الصلب الذي لم يطق صبراً على فراق أبيه وهو يساق للمجهول، فلحق بنا بقلبه الجسور متجاهلاً كل تحذيراتي، كان يقف بوعي (مذهول) لا يدري أن رصاصة الغدر باتت تفصله عن الخلود أمتاراً قليلة.
■ تيبست أطرافي في مكانها وصرخت الروح في داخلي صرخةً صامتة هزت أركان الحي المستباح، نسيت مرارة الاعتقال وسطوة المليشيا، ولم أرَ في الوجود إلا تلك الفوهة اللعينة الموجهة لصدر ابني وفلذة كبدي، فاندفعت نحو الجنجويدي بجنون الأب الذي لم يعد يخشى (الرصاص أو الموت المحقق)، وصرخت في وجهه بملء صوتي الذي شق سكون اليأس.
■ “ماذا تفعل؟! وعلى من تصوب بهذه الرعونة؟! إنه شاب لم يرتكب جرماً!”، كانت كلماتي تخرج كالقذائف تحاول تحطيم جدار الحقد الذي يغلف قلبه، بينما كان هو (عابس الوجه) وكأن القتل عنده تسلية عابرة لا تثير في نفسه أدنى وخز من ضمير قد مات وشبع موتاً، في مشهد يجسد ذروة (الظلم والقهر) والتعدي السافر.
■ أجابني المليشي بغلٍّ حاقد وعينين تتطاير منهما شرارات الغدر: “ولدك راسو قوي.. داير أفرطقو ليهو وأوديهو لله”، كانت الكلمات تخرج من فمه مسمومة برغبة القتل المجاني، فاقتربت منه كثيراً حتى كدت ألامس معدن بندقيته (المصوبة) في وجه البراءة، وقلت له بلهجة من استغنى عن الدنيا وما فيها: “قبل ما توديهو لله.. وديني أنا”.
■ “أنا أبوه وهذا صدري دونك ودونه”، صرخت بها والدموع تحتقن في عيني لكنها لا تسقط أمام (شخص) لا يعرف الرحمة، نظر إليّ شزراً بسخرية مرة، بل اقتنصت لحظة حيرته أمام ثباتي المفاجئ، وصرخت في الشاب الصلب عبد الخالق آمرًا إياه بحسم لا يقبل الجدل بالرجوع الفوري قبل أن تقع الواقعة التي لا تبقي ولا تذر.
■ على مضض، قفل الشاب الصلب راجعاً (يجر خطاه) بأسى وقلق، بينما ظلت عين المليشي تراقبه وأصبعه لا يبرح الزناد كأنه يتحين فرصة للفتك به، حتى توارى عن الأنظار خلف زقاق قديم، حينها فقط تنفست الصعداء وشعرت ببرودة الهواء تدخل صدري بعد أن ظننت أن القيد قد أطبق على أنفاسنا للأبد.
■ حمدت الله كثيراً على انجلاء ذلك الموقف (العصيب) بسلام، وتواصلت قافلة الاعتقال في مسيرها الموحش نحو المصير المجهول، وكان فِردا المليشيا يمارسان سادية غريبة بضم كل من يجدانه في طريقهما، لم يرحما أحداً من العابرين، حتى العجزة الذين أرهقهم الزمان أُمروا بالانضمام إلى هذا الرتل البائس والسير (بانتظام) دون إبطاء.
■ في الطريق الوعر، كنت أوصي علي شريف كلما (اقتنصت) فرصة ضئيلة بأن يعمل بوصيتي ويخرج عبد الخالق من الحي فوراً، خشية أن يكرر فعلته ويقع في يد من لا يخاف الله، أما محمد عبد الله فقد كان ينظر للأمر كأنه (جولة إجبارية) أو مغامرة صحافية نجمع تفاصيلها لنرويها يوماً ما في بلاط صاحبة الجلالة.
■ أكثر ما كان يقلقني ونحن نسير نحو القسم هو ذاك الوعيد الذي كان يطلقه ضابط استخبارات المليشيا على الزميل محمد عبد الله يعقوب؛ فقال له الجنجويدي (بعقلية مريضة): “أنت يا زول شخص حقار.. تمشي قدام بس.. والله لو القائد خلاك أنا ما بخليك”، ظلت هذه العبارة تتردد في أذني كفحيح الأفاعي المنذرة (بالغدر والوعيد).
■ كنت أخشى على محمد من غدر ذاك الوغد الذي (نقم عليه) بسبب نقاش حاد في لحظة الاعتقال الأولى، فالمجرم لا ينسى من وقف في وجهه بكلمة الحق، وظل الجنجويدي يرمقه بنظرات (حارقة) كلما همهم “ود يعقوب” بكلمة، مما جعل المسير يبدو كأنه مشي على حبل مشدود فوق هاوية من النيران المستعرة في قلوب الحاقدين.
■ خلال مسيرنا، بدأ فرد الاستخبارات بتوزيع الأوامر العسكرية المفاجئة: “يمين لف.. شمال لف.. قف”، كانت لحظة اختبار حاسمة؛ فخلفيتي العسكرية إبان الخدمة الوطنية جعلت جسدي يستجيب تلقائياً للنداء، وكذلك العزيز محمد، لكنني أدركت الفخ فوراً، فهمست له محذراً: “إياك والاستجابة بدقة، لا تظهر لهم خبرتك العسكرية”.
■ كان المليشي يراقب زوايا الالتفاف وحركة الأقدام، يبحث عن (إشارة خفية) تثبت أننا عسكريون “مندسون”، فلو استجبنا بمهارة “الميري” لكانت تلك نهايتنا، فبدأنا نتصنع الارتباك والمشي العشوائي، نتحايل على غريزتنا التدريبية كي نقنعهم بأننا مجرد مدنيين (عزل) لا فقه لنا بفنون الطوابير، في معركة ذكاء صامتة فوق طريق وعر.
■ عند اقترابنا من قسم شرطة “الصفوة” بسوق (7)، صرخ فينا فرد الاستخبارات لآخر مرة: “يمين لف”، هنا همست لرفاقي بصرامة: “امضوا (للأمام).. تجاهلوا الأمر تماماً”، وحين واصلنا السير بثبات “الجهلاء” بالنظام، لحق بنا الجنجويدي غاضباً: “يا عمك.. قلنا يمين”، فضحكت في سري؛ فقد نجحت الخطة وتجاوزنا فخ الهوية العسكرية بسلام.
■ دلفنا إلى ردهات القسم الذي أضحى (ثكنة) للمليشيا تمارس فيها كل أنواع التنكيل، واصطففنا صفاً واحداً يترقب المجهول، وأمرونا بتسليم حطام الدنيا لـ “الأمانات”، اعتصرتني ضحكة ساخرة؛ فكيف نسلم أماناتنا لمن استباح الديار؟! وكيف نثق في (لصوص) يدعون حماية الأمانات وهم الذين لم يتركوا أخضراً ولا يابساً؟
■ اقتحم المشهد أحد مخبولي المليشيا وهو (يترنح) بسلاحه، وقف أمامنا بعينين تائهتين وأمرنا بنطق الشهادتين فوراً كأننا على أعتاب المقصلة، وبدأ “يعمر” سلاحه ويصوبه نحو الصف بحركات هستيرية، مهدداً بمنحنا “الفرصة الأخيرة” للاعتراف بمن ينتمي للجيش، وإلا فإن الرصاص سيكون (القول الفصل) الذي ينهي كل شيء.
■ ساد صمت مطبق لم يقطعه إلا صوت “الترباس” وهو (يتحرك) بحدة، وصوت الشهادتين الذي ارتفع من حناجر الرفقاء، كنت أرمق هذا المخبول ببرود عجيب استغربته أنا نفسي، وكنت أضحك في داخلي ضحكة صامتة مجلجلة لو اطلع عليها لقام بتصفيتي في (تلك اللحظة) دون تردد، لكنني كنت أرى ما لا يراه الواجفون.
■ ضحكت لأن عيني الصحفية وخبرتي العسكرية خلال الخدمة الوطنية رصدتا الثغرة؛ لقد كانت “خزنة” بندقيته (خالية تماماً) من الذخيرة، فبرغم صوت “التعمير” المتكرر، لم تخرج تلك “الطلقة” التي تؤكد وجود الرصاص في بيت النار، كان المشهد “فيلماً فاشلاً” لصناعة رعب زائف بحديدة صماء لا (تضر ولا تنفع).
■ انتهى المشهد عند تلك الفوهة المشرعة التي خلت من روح الموت، ما زاد من يقيني بهوان كيدهم الذي لا يفلح إلا في إفزاع (البسطاء)، بقيتُ صامداً أرمق الفوضى بيقين أن الله غالب على أمره، ولكن المخبول “الخالي الوفاض” لا يعلم أننا كشفنا (خدعته المكشوفة) وعرفنا هوانه.. ونواصل.
