موطئ قلم
لا يمكن النظر إلى ما تشهده منطقة الشرق الأوسط من حروب وصراعات وتفكك دولي كمجرد تفاعلات عابرة أو أزمات ظرفية يمكن قراءتها في سياقها الإقليمي أو المحلي الضيق، بل أصبح أقرب إلى مشروع دولي ممتد لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة، وفق رؤية تتقاطع فيها المصالح الاستراتيجية مع الاعتبارات الأيديولوجية، وتُدار عبر مزيج معقد من أدوات القوة الصلبة والناعمة معاً. وفي قلب هذا المشروع تقف الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، بوصفهما فاعلين رئيسيين يسعيان إلى إعادة هندسة المنطقة بما يضمن استدامة النفوذ، وإعادة توزيع مراكز القوة، والتحكم في مسارات المستقبل.
إن القراءة المتأنية لمسار الأحداث خلال العقود الأخيرة تكشف أن الهدف لم يكن يوماً مجرد احتواء تهديدات آنية أو مواجهة خصوم محددين، بل كان – ولا يزال – يرتبط بثلاثية استراتيجية واضحة المعالم تتمثل في (السيطرة على أنظمة الحكم، والتحكم في الموارد، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية)، وبما يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية في آن واحد.
ففيما يتعلق بأنظمة الحكم، يتضح أن الهدف ليس فقط تغيير بعض القيادات أو التأثير على سياسات الدول، بل الوصول إلى مرحلة أعمق تتمثل في إعادة صياغة بنية القرار السياسي ذاته، بحيث تصبح الأنظمة إما متماهية مع هذه الرؤية أو عاجزة عن الخروج عليها. وهنا تتداخل أدوات الضغط السياسي مع التدخلات الأمنية، وتُستخدم آليات متعددة تبدأ من الدعم المشروط، كما حدث في عدد من تجارب “التحول الديمقراطي” التي ارتبطت بمساعدات دولية مشروطة، ولا تنتهي عند إعادة هندسة المشهد السياسي الداخلي للدول عبر التأثير في موازين القوى الحزبية والعسكرية.
أما في جانب الموارد، فإن المنطقة – بما تختزنه من احتياطات هائلة من النفط والغاز والمعادن – تمثل مركز ثقل اقتصادي لا يمكن فصله عن معادلات القوة العالمية. ومن ثم، فإن السيطرة غير المباشرة على هذه الموارد، أو ضمان تدفقها وفق شروط محددة، يظل أحد الأهداف المحورية التي تتحكم في سلوك القوى الكبرى تجاه المنطقة، كما يتجلى في سياسات حماية إمدادات الطاقة في الخليج، أو التنافس الدولي على ثروات شرق المتوسط، أو التحكم في مسارات تصدير النفط والغاز.
وفي الإطار ذاته، تبرز أهمية التحكم في عقد وسلاسل الإمداد، سواء عبر الممرات البحرية الحيوية كالبحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس، أو عبر شبكات النقل والطاقة العابرة للحدود. فهذه المسارات لم تعد مجرد قنوات اقتصادية، بل تحولت إلى أدوات استراتيجية تُستخدم للضغط وإعادة تشكيل موازين القوى، كما ظهر بوضوح في اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر، وتأثيرها المباشر على التجارة العالمية وسلاسل التوريد.
غير أن الأخطر من كل ذلك، هو البعد الأيديولوجي الذي يتسلل إلى هذا المشروع، والذي يتجلى في استهداف أي نموذج حكم يستند إلى مرجعية إسلامية، سواء كان سنياً أو شيعياً، طالما أنه يمتلك قابلية للتحول إلى نموذج مقبول شعبياً داخل المنطقة. فالمشكلة – في هذا السياق – لا تكمن في طبيعة التدين بحد ذاته، بل في قدرته على إنتاج منظومة حكم مستقلة عن الهيمنة الخارجية. ومن هنا برز خطاب “التخويف من الإسلام”، والترويج لمصطلحات مثل “الإسلام السياسي” بوصفه تهديداً عالمياً، في محاولة لتجريد أي مشروع ذي مرجعية دينية من شرعيته السياسية.
غير أن المفارقة اللافتة، أن هذا الخطاب يتزامن مع توظيف واضح للبعد الديني في الخطاب السياسي والعسكري الأمريكي والإسرائيلي، حيث تُستحضر المرجعيات المسيحية واليهودية والصهيونية لتبرير السياسات، وإضفاء طابع قدري أو رسالي سماوي على الصراع. وبذلك، يتشكل تناقض صارخ ما بين تدين مقبول ومُشرعن حين يخدم المشروع الغربي–الإسرائيلي، ومرفوض ومُدان حين يتحول إلى أساس لحكم مستقل في دول المنطقة، وهو ما يكشف أن الصراع، في أحد أبعاده العميقة، ليس صراع مصالح فحسب، بل صراع على المرجعيات والمعاني واختلاف على الأخلاق والقيم.
وفي السياق ذاته، لا يمكن إغفال توظيف أدوات الضغط القانونية والسياسية، وعلى رأسها سياسات العقوبات والتصنيفات المرتبطة بما يُسمى “دعم ورعاية الإرهاب”، والتي تحولت – في كثير من الحالات – من وسائل يفترض أنها لحفظ الأمن الدولي إلى أدوات للسيطرة وفرض الإرادة السياسية. إذ يُلاحظ أن مفهوم “الإرهاب” ذاته قد تُرك دون توصيفٍ وتعريفِ محدد، واتسع ليصبح فضفاضًا وقابلاً لإعادة التعريف وفق مقتضيات المصلحة والظرف السياسي، كما ظهر في اختلاف المعايير بين ملفات متشابهة في المنطقة. بحيث يُستخدم كآلية لعزل الدول والكيانات أو الضغط عليها أو إعادة تشكيل سلوكها، أكثر من كونه توصيفًا موضوعيًا ثابتًا، وهو ما يجعل من هذه الأداة جزءًا من منظومة الهيمنة، لا مجرد إطار قانوني محايد.
وإذا ما انتقلنا إلى تتبع المسار الزمني لهذا المشروع، نجد أن ما عُرف بـ“ثورات الربيع العربي” شكّل نقطة تحول مفصلية للمشروع في مرحلته الحديثة. فقد بدا – في ظاهره – كحراك شعبي مشروع يطالب بالتغيير، غير أن مآلاته كشفت عن دور خارجي فاعل في توجيه مساراته، واستثمار لحظة السيولة السياسية لإعادة تشكيل الأنظمة بما يتوافق مع التوازنات المطلوبة.
وحين لم تُفضِ هذه المرحلة إلى النتائج المرجوة في بعض الدول، أو حين أفرزت قوى لا تتماشى مع المشروع العام، جرى الانتقال إلى مرحلة أكثر عنفاً، تمثلت في إشعال الحروب الداخلية واستنزاف الدول عبر النزاعات المسلحة، كما حدث في السودان واليمن وسوريا وليبيا، حيث لم يعد الهدف تغيير النظام فقط، بل إضعاف الدولة ذاتها، وتفكيك بنيتها، وإدخالها في حالة إنهاك دائم تجعلها غير قادرة على لعب أي دور مستقل.
وفي هذا السياق، تمثل الحالة السودانية نموذجاً متقدماً لما يمكن وصفه بحروب الاستنزاف المركّب، حيث لم يعد الصراع يُدار بوصفه نزاعاً داخلياً على السلطة، بل كجزء من تفاعلات إقليمية ودولية تستهدف إعادة توزيع النفوذ في فضاء البحر الأحمر والقرن الإفريقي. فموقع السودان الجيوستراتيجي، وارتباطه الحيوي بممرات التجارة العالمية، وامتلاكه لموارد واعدة، جعله ساحة مفتوحة لتقاطع المشاريع، تمتزج فيها مصالح الموارد مع اعتبارات الجغرافيا الاستراتيجية.
وقد أدى هذا التداخل إلى تحويل صراع سياسي محدود إلى حرب عنيفة لم تشهدها البلاد من قبل، الأمر الذي أدى بدوره إلى حالة إنهاك شامل لبنية الدولة، واستهداف مؤسساتها وقدرتها على الفعل المستقل. كما تحول النزاع المسلح إلى أداة لإضعاف الدولة ومحاولة إعادة تشكيلها بما يتوافق مع معادلات النفوذ في الإقليم، وهو ما يعكس انتقال الصراع من مستواه الوطني المحلي إلى مستوى إعادة هندسة المجال الحيوي المحيط، ويجعل من إعادة بناء الدولة مستقبلاً جزءاً من معادلة إقليمية أوسع لا تنفصل عن مشروع إعادة تشكيل المنطقة ككل.
أما المرحلة الأشد قسوة، فتتمثل في الانتقال إلى المواجهات المباشرة أو شبه المباشرة، كما يتجلى في التصعيد مع إيران، حيث لم يعد الصراع يُدار بالوكالة فقط، بل بات يأخذ طابعاً أكثر انكشافاً، يعكس انتقال المشروع إلى مستوى أعلى من إعادة رسم التوازنات الإقليمية بالقوة العسكرية المباشرة.
وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى هذه المراحل باعتبارها أحداثاً منفصلة، بل هي حلقات في سلسلة واحدة، تتكامل فيها الأدوار وتُدار وفق رؤية ممتدة، تتبدل أدواتها بتبدل الظروف، بينما تظل أهدافها ثابتة، لا تتخطى السيطرة على الموارد، وتطويع الأنظمة، وإعادة تشكيل الوعي السياسي والديني في المنطقة.
وهنا تتجلى مسألة بالغة الأهمية، تتمثل في استخدام “العلمانية الظاهرية” كغطاء سياسي، في حين يجري توظيف الدين عملياً كأداة تعبئة وتبرير، وهو ما يجعل من المشروع في جوهره أقرب إلى حرب ذات أبعاد دينية مقنّعة، تُدار بلغة المصالح، لكنها تستند – في عمقها – إلى تصورات حضارية وأيديولوجية حول من يملك الحق في تشكيل العالم، ومن يُسمح له بأن يحكم نفسه وفق منظومته القيمية.
إن ما تواجهه المنطقة اليوم ليس مجرد صراع على السلطة أو الموارد، بل هو صراع على الهوية والسيادة ومعنى الدولة، يتجاوز حدود الجغرافيا ليطال بنية المجتمعات، ويعيد تعريف العلاقة بين الدين والسياسة، وبين الداخل والخارج.
وعلى ضوء كل هذه المعطيات، يصبح من الخطأ اختزال ما يحدث في الشرق الأوسط في كونه مجرد نزاعات متفرقة أو صراعات إقليمية عابرة. إنه مشروع إعادة تشكيل شامل، تُستخدم فيه الحروب كأداة، والاقتصاد كوسيلة، والخطاب الأيديولوجي كغطاء.
غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في هذا المشروع، بل في العجز عن إدراكه كما هو. فالتحدي الأكبر الذي تواجهه دول المنطقة ليس في قوة الخصم فحسب، بل في ضعف القراءة، وغياب الرؤية، والتعامل مع الظواهر بدل فهم البُنى التي تنتجها. إذ لا يمكن مواجهة مشروع ممتد بعقلية رد الفعل، ولا مقاومة إعادة تشكيل شاملة بأدوات جزئية.
كما أن إدراك طبيعة هذا المشروع هو الخطوة الأولى نحو مواجهته، ليس بالانفعال أو الشعارات، بل ببناء رؤية استراتيجية مستقلة، تستند إلى وعي عميق بمصالح المنطقة، وقدرة على إعادة بناء الدولة الوطنية على أسس قوية، تحقق التوازن بين الهوية والانفتاح، وبين الاستقلال والتفاعل. فالمعركة الحقيقية ليست فقط على الأرض… بل على الوعي، وعلى القدرة على قراءة ما يجري كما هو… لا كما يُراد له أن يُرى.
السبت 21 مارس 2026م
