آخر الأخبار
المقالات

إبراهيم شقلاوي يكتب: الغلاء يبتلع الناس..

 

في اجتماع اللجنة العليا للطوارئ وإدارة الأزمة بولاية الخرطوم، برئاسة الوالي أحمد عثمان حمزة، دعا نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار الحكومة إلى اتخاذ تدابير عاجلة لضمان استدامة توفر السلع الأساسية في الأسواق، مؤكدًا أن استقرار العاصمة يمثل حجر الزاوية لاستقرار الدولة السودانية. وشدد على ضرورة التصدي للانتهازيين والمحتكرين في ظل التداعيات الاقتصادية الناتجة عن حرب الخليج، مع إبراز آثار ارتفاع أسعار الوقود على تكلفة الخدمات، وأهمية إيجاد حلول عاجلة لعجز إنتاج الكهرباء، بما في ذلك التحول نحو الطاقة الشمسية كبديل استراتيجي.

الحرب بطبيعتها تعيد تشكيل الاقتصاد، لكنها في السودان تتحول أسعار السلع فيها إلى أداة مزدوجة، تمس قدرة المواطن على الصمود، وتكشف عن الجهات التي تتحكم فعليًا في شبكات التوزيع والإمداد. فالغلاء لا يعكس فقط كلفة الإنتاج أو التضخم، بل يظهر تحكم القوى الاقتصادية والاجتماعية في حياة الناس اليومية، ويصبح مؤشرًا صامتًا على موازين القوة المتحكمة

جانب معتبر من ارتفاع الأسعار ليس له أي مبرر اقتصادي، بل هو نتاج انتهازية ممن لديهم القدرة على التحكم في السوق، واستثمار هشاشة الوضع لتحقيق أرباح سريعة. وهنا يتحول الغلاء من أزمة معيشية إلى أداة سياسية ضمن معركة التحكم في موارد البلاد، حيث المواطن يواجه فقدان القوة الشرائية، بينما تستفيد قوى غير مرئية من انعدام الرقابة والضبط.

وفي هذا السياق، يظهر أهمية الدور الحاسم للحكومة: إذ لا يكفي العقاب وحده لوقف هذه الممارسات، بل ينبغي أن يقترن بالضبط القانوني الفاعل، مع تقديم حوافز للمنتجين والبائعين الذين يلتزمون بأسعار معقولة، وتعزيز الثقافة التسويقية المسؤولة التي تراعي رفع المعاناة اليومية من علي كاهل المواطن. بهذا التوازن بين الردع والتحفيز، يمكن تحويل السوق إلى مساحة أكثر عدلاً، وحماية المواطن من الاستغلال، مع تشجيع المنافسة التي تقلل من هوامش الربح غير المبررة، وتحد من الاحتكار.

ضمن محاولات التخفيف، تبرز تجربة الأسواق التعاونية التابعة للمؤسسة العسكرية، التي توفر السلع بأسعار قريبة من التكلفة، وتخلق قناة مباشرة بين المنتج والمستهلك. وقد أسهمت هذه التجربة في كبح جماح الأسعار، لكنها تظل محدودة الأثر بحكم تمركزها الجغرافي، وغياب انتشارها في الأحياء الطرفية الأكثر احتياجًا. كما أن استدامتها تظل رهينة بقدرتها على الاندماج ضمن رؤية أشمل توازن بين التدخل وضمان عدالة المنافسة.

في زمن الحرب، لا تبقى الأسواق مجرد فضاء للتبادل السلعي، بل تتحول إلى ساحة نفوذ موازية. فكما تتبدل خرائط السيطرة على الأرض، تتبدل خرائط السيطرة على السلع الاستهلاكية . ومن هنا، يصبح الغلاء تعبيرًا عن اختلال أعمق، حيث تُدار حياة الناس وفق منطق القوة لا الحاجة.

وتقدم محلية كرري مثالًا دالًا على ذلك، حيث يبرز التفاوت بين سوق صابرين وغيره من الأسواق، خاصة الواقعة على الشوارع الرئيسية. ففي صابرين، تقوم فلسفة البيع على توسيع قاعدة الاستهلاك عبر خفض الأسعار، بما يحقق ربحًا مستقرًا. في المقابل، تميل بعض الأسواق الأخرى إلى تعظيم الربح السريع، ولو على حساب القدرة الشرائية للمواطن، ما يخلق فجوة سعرية لا يبررها اختلاف حقيقي في التكلفة.

ورغم ذلك، لا يمكن التعامل مع الغلاء بوصفه قدرًا محتومًا. فهو، في جانب كبير منه، نتاج ضعف الإدارة وغياب الرؤية والرقابة. فالدولة التي تتراجع عن ضبط منافذ التوزيع، أو تعجز عن مراقبة الأسواق، تفسح المجال لاقتصاد الظل، حيث تختل القواعد الناظمة ، وتتحول السلع إلى مخازن للقيمة، ويتضاعف العبء على المواطن.

الأثر الأعمق للغلاء لا يقف عند حدود الاقتصاد، بل يمتد إلى النسيج الاجتماعي. فحين يعجز المواطن عن تأمين ضروراته، تتآكل ثقته في المؤسسات الحكومية، وتتراجع قيم التضامن، لصالح منطق النجاة الفردية. وهنا لا تكون الخسارة معيشية فقط، بل تمس بنية المجتمع التكافلي.

في السياق السوداني، تتفاقم هذه التحديات بفعل هشاشة البنية الاقتصادية، وتراجع الإنتاج، واضطراب سلاسل الإمداد. ومع تدهور قيمة العملة، يصبح الغلاء واقعًا يوميًا، يثقل كاهل المدن المعتمدة على إمدادات المتقلب.

ومع ذلك، تبقى المواجهة ممكنة، لكنها تتطلب إرادة سياسية تتجاوز ردود الأفعال إلى الفعل المنظم. تبدأ بإعادة ضبط الأسواق، وتفعيل الرقابة، ومكافحة الاحتكار بصرامة، إلى جانب دعم سلاسل الإمداد، وتوجيه الموارد نحو السلع الأساسية، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية.

ومع ذلك، وبحسب #وجه_الحقيقة، فإن مواجهة الغلاء في زمن الحرب ليست مستحيلة، لكنها تتطلب إرادةً سياسيةً صلبة، ورؤيةً عمليةً تتجاوز ردود الأفعال. تبدأ هذه المواجهة بإعادة ضبط الأسواق، وتفعيل أجهزة الرقابة، وفرض سياسات صارمة ضد الاحتكار. كما تتطلب دعم سلاسل الإمداد بوسائل استثنائية، وتوجيه الموارد نحو السلع الأساسية، مع تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر تضررًا.
دمتم بخير وعافية.
الأثنين 6 أبريل2026م Shglawi55@gmail.com

قناة واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى