نضال عثمان تكتب: الشمالية ليست ضد الإيواء… لكنها ترفض فرض واقع جديد
ما يجري في الولاية الشمالية تم تقديمه – عن قصد أو عن جهل – بصورة مشوهة لا تعكس الحقيقة. الاحتجاجات التي خرجت لم تكن ضد إيواء النازحين، ولم تكن يومًا موقفًا معاديًا لأهل دارفور أو غيرهم، بل كانت رفضًا صريحًا لفكرة “التوطين” التي تحمل في طياتها أبعادًا أخطر بكثير من مجرد استضافة إنسانية مؤقتة فهي تعني انفصال إقليم دارفور.
أهل الشمالية فتحوا بيوتهم قبل معسكراتهم، وتقاسموا الطعام والماء مع النازحين، وسيروا القوافل دون منٍّ أو أذى، في مشهد يعكس أصالة هذا المجتمع. لكن محاولة تصويرهم اليوم كرافضين للآخر أو كأصحاب نزعة عنصرية، هو ظلم بيّن وتزييف مخل.
القضية ليست إنسانية فقط، بل سياسية وأمنية واجتماعية معقدة. المنطقة تعاني أصلًا من إشكالات التعدين، وتعيش على وقع حساسيات مرتبطة بمسار الشمال في اتفاقية جوبا، خاصة فيما يتعلق بملف الحواكير. لذلك، فإن أي حديث عن “توطين دائم” دون توافق مجتمعي، يفتح الباب أمام مخاوف مشروعة لا يمكن تجاهلها أو تسفيهها.
الأخطر من ذلك، هو الزج بالقضية في سياق صراع سياسي، وربطها بسيناريوهات تمكين أو إعادة تشكيل ديمغرافي، وهي أمور – إن صحت – تمس الأمن القومي ولا يمكن تمريرها تحت غطاء العمل الإنساني.
التصريحات غير المسؤولة التي أطلقت مؤخرًا، والتي حملت اتهامات مبطنة لأهل الشمالية، لا تخدم القضية، بل تؤجج الاحتقان وتدفع نحو انقسام خطير. المطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات، بل تصحيح المفاهيم، والاعتراف بأن هناك فرقًا واضحًا بين “الإيواء” كواجب إنساني، و”التوطين” كقرار مصيري.
كما أن على وسائل الإعلام أن تتحمل مسؤوليتها كاملة، فبعض التغطيات ساهمت في تضخيم الحدث ونقله بصورة مبتورة، مما خلق انطباعات سالبة وأشعل حالة من الجدل غير المنتج.
الشمالية ليست ضد أحد، ولن تكون. لكنها أيضًا لن تقبل أن يُفرض عليها واقع جديد دون حوار أو احترام لخصوصيتها وتعقيداتها. وبين الإنسانية والسياسة، يجب ألا يُستغل الألم لصناعة أزمات أكبر.
