■ كانت مدينة ودمدني، قبل ذلك الشتاء الكالح، لوحة نابضة بالوجع والأمل معاً؛ تزدحم طرقاتها بوجوه القادمين الذين فروا من جحيم العاصمة، لتضيق الشوارع وتتسع القلوب بطيبة فطرية عُرف بها إنسان الجزيرة. فكانت “أرض المحنة” ـ كما العهد بها ـ ملاذاً آمناً لمن استجار بها من هول الفوضى، رغم أن الأنفاس كانت محبوسة خلف جدران الصمت والترقب، والناس في حالة من (الجرسة) وعدم اليقين. كانت المدينة حينها تغلي كمرجل يوشك على الانفجار، والناس يقتاتون على الصبر في انتظار فجر لم يأتِ بعد، والأسواق تضج بالحياة الزائفة التي تخفي تحتها رعباً دفيناً.
■ على الصعيد الشخصي، وجدت نفسي وجهاً لوجه أمام استحقاقات البقاء بعد أن سكن ضجيج المطابع وتوقفت الصحافة الورقية قسراً. فعدت من جديد لميدان التجارة متسلحاً بخبرة سنوات خلت، وافتتحت “دكاناً” صغيراً عند طرف القرية برأس مال متواضع، أبيع فيه للناس احتياجاتهم الضرورية عله يسد الرمق ويقينا ذل (الدين) في زمن المسغبة. كنت أجلس في ذاك الركن الصغير، وبينما كنت أزن السكر لأحد الجيران، سألني بصوت متهدج: “يا أستاذ، الحرب دي بتصلنا هنا؟”؛ كان سؤاله يختزل قلق أمة بأكملها، وكنت ألوذ بالصمت لأن صدق الصحفي في داخلي كان يرفض منح طمأنينة كاذبة.
■ كانت رحلاتي شبه اليومية إلى قلب “زهرة المدائن” تمنحني فرصة لجس نبض المدينة العريقة، حيث كنت أرقب بعين الصحفي مظاهر التحشيد العسكري والتجهيزات الدفاعية التي كانت تملأ الأفق. ورغم تسريبات قرب اجتياح المليشيا الإرهابية، إلا أن رؤية الجنود والمستنفرين بملابسهم المرقطة كانت طمأنة مؤقتة للروع؛ حسبنا حينها أن الأسوار منيعة وأن (الرجالة) خلفها جبال لا تنحني، ولم يدر بخلدنا أبداً أن الستائر ستسدل بهذه السرعة المذهلة، وأن تلك الخنادق العميقة ستصبح مجرد شواهد صامتة على انكسار لم نحسب له حساباً.
■ أتذكر زيارة القائد العام للجيش لمدني في يوم الثلاثاء الثاني عشر من ديسمبر 2023م، وكيف بثت رسائله يقيناً في نفوس المكلومين. رأينا المقاومة الشعبية تملأ الشوارع بحماس يزلزل الأرض، لكن الحقيقة المرة كانت تكمن في أنهم كانوا “عُزلاً” تماماً من السلاح الكافي لردع العدوان، فظل حماسهم يتجاوز الواقع الميداني وما هو (مرجي) منهم. كان المشهد سريالياً بامتياز؛ آلاف الشباب المستعدين للموت بصدور مكشوفة، يواجهون آلة حرب غاشمة تفتقر للوازع والأخلاق.
■ في قرية “طيبة الشيخ عبد الباقي”، جمعني حديث مستفيض مع قائد “لواء البراء بن مالك”، المصباح أبوزيد طلحة ؛ وعلمت من تلميحاته أن الترتيبات العسكرية تمضي في مسار مغاير عما كنا نتوقع، وأن الأمر فيه الكثير من (الغمغمة) والتعقيد. بدأت الشكوك تتسرب إلى نفسي حول حقيقة الثبات الذي تروج له البيانات الرسمية المقتضبة، وشعرت لأول مرة أن “الأرض” التي نقف عليها قد لا تكون بالصلابة التي نتخيلها.
■ حل مساء الأربعاء الثالث عشر من ديسمبر ثقيلاً كابوسياً، حين بدأت غرف المليشيا الإعلامية في بث سمومها عبر مقاطع لرتل عسكري ضخم يزحف نحو قلب الولاية، في استعراض لقوة أرادوا بها (تخويف) الآمنين. كانت تلك المشاهد جزءاً من حرب نفسية مدروسة بعناية لكسر الإرادة قبل وصول الرصاص، جعلت الكثيرين يفكرون في الفرار قبل فوات الأوان؛ وانتشرت تلك الفيديوهات كالنار في الهشيم، محطمةً ما تبقى من جدار الطمأنينة الهش.
■ آتت تلك الحرب النفسية أكلها المر، فبدأت الأسر ترحل تحت جنح الظلام، وكان في طليعتهم النازحون الذين تذوقوا مرارة الظلم في الخرطوم. وأصبحت الوجوه واجمة، والساحة خالية تماماً لتمدد (القوالات) والأراجيف وسط غياب شبه كامل للإعلام الحكومي الذي شُلّت حركته. كان المواطن ينام على إشاعة ويستيقظ على فاجعة، دون صوت رسمي واحد يوضح له حقيقة ما يجري على الأرض.
■ سادت سطوة “صحافة الموبايل” التي نشطت فيها المليشيا، مما ساهم في انهيار المعنويات وتفشي الذعر الذي جعل البعض (يرجف) من هول الأخبار. فالتكتيك الذي استخدموه في مدني هو ذاته الذي مهد لهم الطريق لاحقاً؛ يقتلون الروح ويشيعون الاستسلام قبل إطلاق رصاصة واحدة، لتصبح البيوت مقفرة من أهلها، تاركين وراءهم شقى العمر وذكريات السنين في مشهد جنائزي مهيب لم تشهده الجزيرة في تاريخها الحديث.
■ عندما اقتربت المليشيا من قرى شرق الجزيرة، كنا نتابع أخبار المدافعة بإشفاق، نمني أنفسنا بأن الرد سيكون حاسماً، لكن الحكايات التي كانت تصلنا من الفارين كانت مأساوية وتؤكد أن المليشيا (سكنت) الأخضر واليابس في طريقها. وفي فجر الخميس الرابع عشر من ديسمبر، وبينما كان البرد ينهش الأجساد والقلوب، شق صمت القرية هدير محركات الطائرات الحربية التي كانت ترسم في الأفق خطوطاً من السناخ والنار.
■ وقفت أمام “دكاني” المتواضع، أرنو إلى السماء بقلب واجف، وقلت لجيراني الذين تجمعوا بهلع: “يبدو أن الأمر قد بلغ مداه؛ فتدخل الطيران بهذا الكثافة ينذر بمعركة (كاسحة) لا تبقي ولا تذر”. كانت النظرات تائهة، والسحب الدخانية تتصاعد في الأفق البعيد جهة الشرق لتعلن بدء فصل جديد من فصول الضياع الذي لم نكن نتصوره.
■ مرت الطائرات وهي تزمجر في العلاء، وفي تلك اللحظة الفارقة، أيقنت أن تاريخاً جديداً للوجع السوداني يُكتب الآن بمداد من دم. أغلقتُ باب دكاني الصغير ببطء، وفي قلبي (غصة) ووجع لا توصفه الكلمات؛ إذ لم أكن أعلم أنني أقفلتُ معه فصلاً كاملاً من الاستقرار، وتركتُ خلفه أحلاماً لم تكتمل، لأبدأ رحلة نحو المجهول حيث غاب الأمان وحضر الموت محلقاً، وما خفي كان أعظم.
نواصل..
